ابن قيم الجوزية
614
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
يظهر أضدادها نفيا وجحدا . وهم أصحاب الملامتية ، ولهم طريقة معروفة . وكان شيخ هذه الطائفة عبد اللّه ابن منازل . واتفقت الطائفة على أن من أطلع الناس على حاله مع اللّه : فقد دنس طريقته . إلا لحجة أو حاجة أو ضرورة . وقوله : « وتصحيحها تحقيقا » . أي يجتهد في تحقيق أحواله ، وتصحيحها وتخليصها . فإن الحال قد يمتزج بحق وباطل . ولا يميزه إلا أولو البصائر والعلم . وأهل هذه الطريق يقولون : إن الوارد الذي يبتدئ العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب : يكون في الغالب حقا . والذي يبتدئ من الجانب الأيسر : يكون في الغالب باطلا وكذبا . فإن أهل اليمين : هم أهل الحق . وبأيمانهم يأخذون كتبهم . ونورهم الظاهر على الصراط بأيمانهم . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله ، وطهوره وشأنه كله . واللّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف . وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله . وحظه من ابن آدم جهة الشمال . ولهذا تكون اليد الشمال للاستجمار ، وإزالة النجاسة والأذى . ويبدأ بالرجل الشمال عند دخول الخلاء . ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد يبقى الإنسان بعد انفصاله نشيطا مسرورا نشوانا : فإنه وارد ملكي ، وكل وارد يبقى الإنسان بعد انفصاله خبيث النفس كسلان ، ثقيل الأعضاء والروح ، يجنح إلى فتور : فهو وارد شيطاني . ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب في القلب : معرفة باللّه ومحبة له ، وأنسا به ، وطمأنينة بذكره ، وسكونا إليه : فهو ملكي إلهي . وخلافه بخلافه . ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب صاحبه تقدما إلى اللّه تعالى والدار الآخرة ، وحضورا فيها ، حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت ، والجحيم قد سعّرت : فهو إلهي ملكي ، وخلافه شيطاني نفساني . ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد كان سببه النصيحة في امتثال الأمر ، والإخلاص والصدق فيه : فهو إلهي ملكي . وإلا فهو شيطاني . ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد استنار به القلب ، وانشرح له الصدر ، وقوي به القلب : إلهي ملكي . وإلا فهو شيطاني . ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد جمعك على اللّه فهو منه . وكل وارد فرّقك عنه ، وأخذك عنه : فمن الشيطان . ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الإلهي لا يصرّف إلا في قربة وطاعة ، ولا يكون سببه إلا قربة وطاعة ، فمستخرجه الأمر . ومصرّفه الأمر ، والشيطاني بخلافه . ومن الفرقان أيضا : أن الوارد الرحماني لا يتناقض ، ولا يتفاوت ولا يختلف . بل يصدق بعضه بعضا ، والشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا . واللّه سبحانه أعلم . قال : « الدرجة الثالثة : الإحسان في الوقت . وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا . ولا تخلط